الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
575
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
من شئت . وذلك أن اللّه تعالى يفتح عليه مكة وأهلها ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء ، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وغيره ، وحرم دار أبي سفيان . فإن قلت : هذه السورة مكية ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ « 1 » إخبار عن الحال ، والواقعة التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين ؟ أجيب : بأنه قد يكون اللفظ للحال ، والمعنى مستقبل ، كقوله تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ « 2 » . وعلى كل حال فهذا متضمن للقسم ببلد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ، ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم ، وقد روى أن عمر ابن الخطاب - رضى اللّه عنه - قال للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - : بأبى أنت وأمي يا رسول اللّه ، لقد بلغ من فضيلتك عند اللّه أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء ، ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك فقال : لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ « 3 » . وقال تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ « 4 » . اختلف في تفسير العصر على أقوال . فقيل : هو الدهر ، لأنه مشتمل على الأعاجيب ، لأنه يحصل فيه السراء والضراء ، والصحة والسقم وغير ذلك . وقيل : ذكر العصر الذي بمضيه ينقضى عمرك ، فإذا لم يكنى في مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران ، وللّه در القائل : إنا لنفرح بالأيام نقطعها * وكل يوم مضى نقص من الأجل وفي تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما : أنه أقسم بزمان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - . قال الإمام الرازي : واحتجوا له بقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « إنما مثلكم
--> ( 1 ) سورة البلد : 2 . ( 2 ) سورة الزمر : 30 . ( 3 ) سورة البلد : 1 . ( 4 ) سورة العصر : 1 ، 2 .